إقتصاد

20 عاما على حكم الأسد، من ربيع دمشق إلى دولة منبوذة

وكالة الصحافة الفرنسية وتقرير إضافي من مراسل ديارنا وليد أبو الخير

image

شاب سوري يرفع صورة كاريكاتورية للرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء مشاركته في تظاهرة بمدينة إدلب احتجاجا على الهجوم الذي شنه النظام السوري والروس على المحافظة الشمالية في 21 شباط/فبراير. [محمد الرفاعي/وكالة الصحافة الفرنسية]

مع تولي الرئيس السوري بشار الأسد السلطة بعد ثلاثة عقود من حكم والده الحديدي، عم الأمل بأن يشكل هذا الحدث خطوة أولى نحو الانفتاح الديموقراطي. لكن بعد 20 عاما على حكمه، باتت سوريا معزولة تمزق الحرب أوصالها.

اليوم، تبدو سوريا الواقعة تحت وطأة انكماش اقتصادي مؤلم وعقوبات وتسع سنوات من الحرب، بعيدة كل البعد عن الصورة التي أوحاها الأسد عندما صعد إلى كرسي الرئاسة بعد شهر من وفاة والده حافظ في 10 حزيران/يونيو 2010.

وعن هذا الموضوع، تحدث فيصل عيتاني من مركز السياسة العالمية وقال: "ساد قدر كبير من القلق في المراحل الأولى إذ لم تشهد سوريا انتقالا سلميا للسلطة منذ عقود، وكان حافظ الأسد هو الرئيس الوحيد الذي عرفه الكثير من الناس".

لكن "سرعان ما استتب الوضع مع ترسيخ بشار موقعه وإحاطة نفسه بهالة من الحداثة والشباب والانفتاح"، على حد قوله.

image

حشد من الناس يصطفون خارج صيدلية إثر انهيار الليرة السورية وما نتج عن ذلك من اختفاء بعض الأدوية من السوق وارتفاع أسعار الأدوية المتاحة ارتفاعا كبيرا. [حقوق الصورة مراسل سوري]

image

مركز لتحويل الأموال وصرف العملات في دير الزور أغلقه النظام السوري. [حقوق الصورة لصدى الشرقية]

ومع إدائه اليمين في سن الرابعة والثلاثين، كان طبيب العيون الذي درس في لندن يلبس لبوس المصلح الذي يمكنه تغيير السياسة السورية بشكل جذري عبر تحرير الاقتصاد والانفتاح المحدود على الغرب.

وبعد فترة وجيزة من انتخابه في اقتراع لم يشارك فيه سوى مرشح واحد، شهدت سوريا موجة مستجدة من النقاش والنشاط السياسي، بعد نحو 40 عاما من قبوعها تحت قانون الطوارئ.

وفي وصف لبشار، قال الخبير السوري والأستاذ المساعد في جامعة جورجتاون، دانيال نيب، إنه "شخصية مختلفة جدا عن شخصيات النظام البارزة الأخرى".

وأضاف نيب أنه "في بلد لم يشهد أي انفتاح سياسي أو اقتصادي مهم منذ أكثر من عقد، بدا صعود بشار إلى الرئاسة مؤشرا على تحقيق الإصلاح الذي طال انتظاره".

’فكرة المحرر ماتت بسرعة‘

وفي أيلول/سبتمبر من العام 2000، دعا نحو 100 مثقف إلى إجراء إصلاحات تشمل رفع حالة الطوارئ واحترام الحريات العامة والتعددية السياسية فيما أصبح يعرف باسم ربيع دمشق.

وأكد عيتاني أن "فكرة بشار كمحرر ماتت بسرعة كبيرة".

وبحلول صيف عام 2001 بدأ بقمع المعارضة، وتلاشى الوعد بالتحرير الاقتصادي وباتت الثروات ملكا حصريا لشركائه في النظام.

وتابع عيتاني أن "اقتصاد السوق الاجتماعي الذي دشنه بشار تحول إلى وصفة للفساد الجشع ضمن الدائرة المقربة منه".

"تعمق التفاوت الاقتصادي، ووقع الكثير من أبناء الطبقة الوسطى وسكان الريف في فقر مدقع"، حسبما أردف.

وما قوض شرعيته الدولية هو قمعه الوحشي للاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اندلعت عام 2011، إضافة إلى الحرب التي قتلت منذ ذلك الحين أكثر من 380 ألف شخص وشردت الملايين.

وأدت سلسلة من العقوبات التي فرضها كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى تفاقم أزمة الشلل الاقتصادي، ومن المقرر أن يشهد الشهر الجاري دخول آخرها حيز التنفيذ.

ويعيش معظم السكان في فقر وانخفضت قيمة الليرة السورية مقابل الدولار إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، ما أثار موجة جديدة من المعارضة في المناطق التي يسيطر عليها النظام، في الوقت الذي يستمر فيه العنف بضرب المناطق التي لا تخضع لسيطرة الأسد.

تشظي الاقتصاد السوري

وفي حديث لديارنا، أوضح الاقتصادي السوري محمود مصطفى، أن المناطق التي يسيطر عليها النظام تشهد ارتفاعا هائلا للأسعار وإغلاق للمحلات واختفاء السلع الأساسية من الأسواق.

وأضاف أنه لا يمكن وصف ارتفاع الأسعار الأخير سوى بأنه "جنوني"، مشيرا إلى أن أسعار بعض السلع ارتفعت بنسبة تصل إلى 300 في المائة.

وقال إن سعر صرف الليرة مقابل الدولار تجاوز مبلغ 3000 ليرة للدولار الواحد، وحتى أنه بلغ في بعض المناطق 3500 ليرة للدولار الواحد.

وتابع مصطفى أن أسعار الصرف هذه دفعت التجار إلى التوقف عن تزويد الأسواق بالمواد والسلع، كما أقفلت معظم الأفران والمحلات التجارية على أنواعها خصوصا تلك التي تبيع المواد الغذائية.

ولفت إلى أن ارتفاع الأسعار هذا وضع معظم السوريين تحت خط الفقر مع التراجع الكبير في قدرتهم الشرائية.

وأكد أنه في خضم هذه الأزمة، لم يتخذ نظام الأسد "أي خطوة لوقف ارتفاع الأسعار"، وعمد بدلا من ذلك إلى إصدار قرار بإغلاق متاجر الصرافة وتحويل الأموال مضرا بذلك بالحركة الاقتصادية.

هذا القرار أوقف التحويلات الشهرية بالعملة الصعبة من المغتربين التي تعتمد عليها آلاف العائلات، وقلص ملاءة السوق من العملات الصعبة إلى حد باتت معه معدومة.

وأدى ذلك بدوره إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الليرة.

وذكر مصطفى أن هذه الأوضاع بدأت تنعكس على القواعد الشعبية التي تعتبر مؤيدة للنظام، فبدأت حالات الاعتراض بالظهور في مناطق موالية كاللاذقية ودمشق، إضافة إلى مدن من الجنوب السوري كدرعا والسويداء.

’فشل اقتصادي استراتيجي‘

إلى هذا، فقدت سوريا تحت حكم الأسد مكانتها كلاعب إقليمي مؤثر وباتت اليوم تعتبر بالنسبة للكثيرين تابعة بشكل كبير لروسيا وإيران وتشكيلة من الميليشيات المدعومة من طهران بينها حزب الله اللبناني.

وأشار نيب إلى أن "حافظ نجح دوما في إبقاء سوريا في منأى عن التدخل الخارجي، أما بشار، فقد أصبح مدينا في بقاء نظامه للنفوذ الخارجي".

وتابع: "ما نشهده اليوم هو شكل هجين من السلطة السياسية القائمة على التعاقد من الباطن لا سابقة له في الحياة السياسية السورية الحديثة".

أما عيتاني فقال "إن سوريا بشار الأسد هي فشل استراتيجي واقتصادي، متوقعا أن البلاد ستصبح في العقد الثالث من حكمه "مجرد خربة فقيرة لما كانت عليه في الماضي".

وأضاف أن الشقوق ستضعف التحالفات التقليدية كما دل عليه الخلاف الأخير بين الأسد وابن خاله رامي مخلوف، الذي أمرت الدولة الشهر الماضي بمصادرة أصوله.

وختم عيتاني مؤكدا أن "بشار يشبه حافظ في مثابرته وقدرته على إبقاء جوهر النظام سليما، لكنه ليس كفؤا ولا محظوظا كما كان حافظ".

هل أعجبك هذا المقال؟
0
0 تعليق
سياسة ديارنا بشأن التعليقات * معلومات ضرورية 1500 حرفا متبقيا (أقصاها 1500 حرفا)