أخبار العراق
دين

البابا فرنسيس يدعو إلى التعافي والتسامح والأخاء خلال زيارته التاريخية للعراق

خالد الطائي ووكالة الصحافة الفرنسية

image

البابا فرنسيس يخاطب الناس من على منصة في ميدان قريب من أطلال كنيسة الحبل بلا دنس للسريان الكاثوليك في مدينة الموصل القديمة يوم 7 أذار/مارس. وخلال زيارته التاريخية إلى العراق، زار البابا فرنسيس مختلف المجتمعات المسيحية التي عانت من وحشية تنظيم داعش حتى هزيمته عام 2017. [زيد العبيدي/وكالة الصحافة الفرنسية]

بغداد -- في عام 2014 وخلال متابعته عن بعد لاجتياح تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) لمحافظة نينوى العراقية، أعرب البابا فرانسيس عن استعداده لزيارة العراق ولقاء النازحين وضحايا الحرب تعبيرا عن تضامنه معهم.

وقد أوفى بوعده يوم الاثنين، 8 أذار/مارس، مختتمًا أولى رحلاته البابوية إلى العراق في زيارة مليئة بالفعاليات واللقاءات استمرت ثلاثة أيام وجرت دون أية عقبات أمنية.

وتعد هذه الزيارة أول رحلة خارج الفاتيكان يقوم بها البابا فرانسيس منذ تفشي جائحة فيروس كورونا العالمية، وشهدت رفع صلوات وعقد اجتماعات مع كبار المسؤولين والشخصيات العامة ورجال الدين، لعل أبرزهمالمرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني.

وقطع البابا فرانسيس أكثر من 1400 كيلومتر بالطائرة والمروحية، محلقا فوق مناطق ما تزال القوات الأمنية تقاتل فيها داعش. كما تنقل في سيارة مصفحة على طرقات رفعت على جانبيها ملصقات ترحب بـ "بابا الفاتيكان".

image

البابا فرنسيس خلال لقائه مع المرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني، في مدينة النجف يوم 6 أذار/مارس. [مكتب السيستاني]

image

البابا فرنسيس لدى وصوله إلى مطار بغداد في 5 أذار/مارس، حيث كان في استقباله رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي. [المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي]

image

لقاء جمع البابا مع رجال دين عراقيين من طوائف مختلفة في 6 أذار/مارس في مدينة أور التاريخية. [الحكومة العراقية]

وترأس الصلوات وعقد لقاءات بين أبناء مختلف الأديان في أربع مدن عراقية رئيسة، مستحضرا روح الأمل والأخاء في رحلة تهدف إلى تشجيع أبناء المجتمع المسيحي الذين يتراجع عددهم في البلاد وتعميق الحوار بين الأديان.

ولدى وصوله إلى مطار بغداد الدولي يوم الجمعة، كان في استقباله رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وقد التقى لاحقا بالرئيس برهم صالح وشخصيات حكومية ودينية أخرى.

وبعد ظهر اليوم نفسه، وجه كلمة إلى المؤمنين من على مذبح كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في حي الكرادة وسط بغداد، والتي تعرضت قبل 11 عاما لهجوم إرهابي أودى بحياة العشرات من المسيحيين.

وقال البابا في كلمته إن موتهم "يذكرنا جيدا أن التحريض على الحرب والعنف والكراهية وإراقة الدماء يتعارض مع تعاليم الدين".

من جانبه، قال يونادم كنّا رئيس كتلة الرافدين النيابية المسيحية العراقية إن "هذه كانت زيارة رعوية ذات طابع روحي وإنساني".

وأشار كنّا إلى أن البابا سعى إلى ترسيخ التقارب بين جميع الأديان والمذاهب وتشجيع القادة العراقيين على دعم استقرار البلاد وتقدمها وتوفير حياة كريمة للمواطنين.

وأضاف أن الزيارة أظهرت للعالم صورة مختلفة عن العراق الغارق في المخاوف الأمنية بسبب الجرائم التي يرتكبها تنظيم داعش.

وأعرب كنّا عن أمله في أن يكون الجانب الأمني الناجح للزيارة حافزا لانفتاح البلاد ونقطة انطلاق لولوج عصر جديد من السلام والازدهار.

لقاء السيستاني

وزار البابا فرنسيس السيستاني في منزله المتواضع في النجف يوم السبت وعقدا اجتماعا مغلقا استمر قرابة ساعة من الزمن.

وأعلن الكاظمي يوم بدء الزيارة في 6 أذار/مارس يوما وطنيا سنويا للتسامح والتعايش في العراق.

وعقب اللقاء، أكد مكتب السيستاني في بيان "حرصه على أن يعيش المواطنون المسيحيون في سلام وأمن مثلهم مثل جميع العراقيين، متمتعين بحقوقهم الدستورية كاملة" ، وشكر البابا فرنسيس على زيارته للمدينة المقدسة.

وعن هذا اللقاء، قال الباحث الديني والأمين العام السابق للعتبة الكاظمية المقدسة الشيخ عدي حاتم الكاظمي إن اللقاء التاريخي بين "قادة السلام الكبار" سيعزز التعايش والوئام والشراكة الوطنية في العراق.

وأشار إلى أن المرجعية الشيعية تعتبر المسيحيين شركاء حقيقيين وأن لا فرق في الحقوق والواجبات بين جميع العراقيين، مضيفا أن العراق بحاجة إلى تعاون جميع أبنائه من أجل التعافي وتحقيق طموحاته بعد حقبة حكم داعش.

وأكد الكاظمي أن الزيارة البابوية توجه رسالة إلى العالم مفادها أنه مهما ضربته موجات العنف والطائفية والإرهاب والتكفير، فإن العراق سيسمو فوق مشاكله ويتجاوزها.

ونادرا ما يمنح السيستاني مواعيد لعقد لقاءات، لكنه استثنى البابا فرنسيس الذي وصل إلى مطار النجف حيث رفعت لافتات كتب عليها أقوال للإمام علي رابع الخلفاء الراشدين وابن عم النبي محمد وصهره والمدفون في المدينة المقدسة.

ومن هذه الأقوال "الناس صنفان، أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

وفي هذا السياق، رأى رجال دين عراقيون وزعماء مسيحيون أن الزيارة يمكن أن تعزز مكانة النجف مقارنة بقم حيث المقر الرئيس الآخر للمرجعية الدينية الشيعية.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه مرجعية النجف على ضرورة فصل الدين عن السياسة،تعتقد مرجعية قم أن الحكم يجب أن يتولاه رجل الدين الأعلى، أي المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

واحتل خبر اللقاء الصفحات الأولى في طبعات يوم الأحد بإيران، حيث اعتبرته بعض الصحف فرصة للسلام في الدولة المجاورة.

وفي هذا الإطار، قالت صحيفة سازانديجي الإصلاحية الإيرانية إن الزعيمين الدينيين هما الآن "حاملا لواء السلام العالمي"، ووصفت اجتماعهما بأنه "الحدث الأكثر فعالية (في تاريخ) الحوار بين الأديان".

وعلقت صحيفة شرق اليومية الإصلاحية قائلة إن هذا "المشهد الرمزي يظهر أهمية التعاون بين أتباع الديانات المختلفة".

التطرف ’خيانة للدين‘

وبعد لقائه السيستاني مباشرة، ترأس البابا فرنسيس حفلا شارك فيه ممثلون عن مختلف الأديان في مدينة أور التاريخية في محافظة ذي قار الجنوبية، حيث يُعتقد أن النبي إبراهيم قد ولد.

وبعد استماعه إلى ممثلين عن الطوائف الدينية المتنوعة في العراق، ومنهم الأيزيديون الذين دمر تنظيم داعش معقلهم سنجار والمندائيون والكاكيس والبهائيون والزرادشتيون، قال البابا فرانسيس "بدأ كل شيء من هنا".

وحضر الحفل أيضا شيوخ شيعة وسنة ورجال دين مسيحيون.

وشدد البابا فرانسيس على أن العداء والتطرف والعنف ليس من روح الدين، بل على العكس تعتبر خيانة للدين.

"وأضاف "لا يمكننا السكوت عندما يسيء الإرهاب إلى الدين، بل من واجبنا القضاء على سوء الفهم هذا".

ودعا إلى "احترام حرية الضمير وحرية الدين والاعتراف بها في كل مكان".

صلوات في الموصل

ويوم الأحد، أمضى البابا فرانسيس يوما كاملا في شمال العراق الذي مزقته الحرب، حيث قدم الدعم للمسيحيين المصدومين في أربيل والموصل وقرقوش.

ووقف البابا فرنسيس أمام جدران كنيسة الطاهرة في الموصل المنهارة جزئيا والتي يعود تاريخها إلى قرون مضت، وناشد المسيحيين في العراق والشرق الأوسط البقاء في أوطانهم.

وقال إن الهجرة الجماعية "المأساوية" للمسيحيين "تلحق ضررا لا يمكن التكهن بعواقبه ليس فقط للأفراد والمجتمعات المعنية، بل أيضا للمجتمع الذي تركوه وراءهم".

وتعتبر كنيسة الطاهرة، التي انهار سقفها خلال القتال ضد داعش عام 2017، واحدة من أقدم 14 كنيسة على الأقل دمرها المتطرفون في نينوى.

إلى هذا، أشاد الحبر الأعظم بمسجد النوري ومئذنة الحدباء الشهيرة التي دُمرت في معركة دحر داعش، وكنيسة سيدة الساعة التي قال إنها "ذكّرت المارة بأن الحياة قصيرة وأن الوقت ثمين".

من جهته، أكد إمام وخطيب المسجد النبي يونس في الموصل الشيخ محمد الشمعة أن زيارة بابا الفاتيكان للمدينة أكدت هويتها التاريخية وتنوعها الديني والعرقي والثقافي.

وكانت هجمات داعش قد أجبرت مئات الآلاف من المسيحيين في محافظة نينوى على الفرار. وحتى اليوم، لم يعد إلى المدينة سوى بضع عشرات فقط من العائلات المسيحية.

’الغفران ضروري‘

وأقام البابا أيضا صلاة في قرقوش حيث أحرق تنظيم داعش كنيستها القديمة، واسمها أيضا الطاهرة، ودمر معظم المدينة.

واستقبل مئات المسيحيين البابا بالترانيم وأغصان الزيتون وهم يرتدون أزياءهم التقليدية المطرزة.

وتوجه البابا إلى المصلين قائلا لهم "لا تتوقفوا عن الحلم! لا تستسلموا! لا تفقدوا الأمل!"، وتابع "حان الوقت الآن لإعادة البناء والانطلاق من جديد".

وبعد أيام على اجتياح داعش لسهول نينوى في عام 2014، فر جميع سكان قرقوش المسيحيين البالغ عددهم 55 ألف نسمة تقريبا.

وبقوا بعيدا عن مسقط رأسهم نحو ثلاث سنوات، مع ورود أخبار إليهم حول سعي مقاتلي داعش إلى محو كل أثر لتراثهم المسيحي.

ونهب المتطرفون الكنائس وأحرقوها وحطموا الصلبان، لكنهم طردوا في نهاية المطاف من المدينة عام 2016. ومنذ ذلك الحين، عاد فقط 26 ألف شخص من سكان قرقوش لإعادة بنائها بشق الأنفس.

وعن هذه الفترة، قال رئيس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية الكاردينال لويس ساكو "تحولت الكنائس هنا إلى سجون. كل شيء تحطم. كان ذلك مفجعا".

"اليوم نحتفل بالعودة بعد النزوح".

وحث فرانسيس في كلمته على المصالحة.

"وقال إن "الطريق إلى التعافي التام ما يزال طويلا، لكنني أطلب منكم، بل أتوسل إليكم، ألا تثبطوا من عزيمتكم". وأضاف أن "الغفران ضروري للإبقاء على المحبة ولكي تبقوا مسيحيين".

قداس عام في إربيل

وختم البابا فرانسيس زيارته في أربيل، وهي المكان الذي لجأ إليه العديد من المسيحيين الذين فروا من هجوم داعش عام 2014 وما تلاه من حكم الإرهاب.

لكن قبل أسابيع فقط، استهدفت المدينة بهجوم صاروخي مميت كان الأحدث في سلسلة من الضربات التي ألقيت باللائمة فيها على القوات الموالية لإيران.

وفي قداسه العام الأخير الذي رفعه بالهواء الطلق في ملعب فرانسو الحريري بأربيل، حضر 10 آلاف شخص، أي نصف طاقة الملعب الاستيعابية للحد من انتشار فيروس كورونا.

ويوم الأحد أيضا، التقى البابا بوالد آلان كردي، الطفل السوري الكردي الغارق الذي جرفت الأمواج جثته لترسو على أحد الشواطئ التركية في عام 2015. وأثار الحادث يومها غضبا عالميا عارما، ولفت الانتباه مجددًا إلى الطريق البحري المميت الذي يسلكه العديد من المهاجرين هربا من مناطق الصراع، بما في ذلك العراق وسوريا.

وفي كلمته بآخر فعالية عامة عقدها، قال البابا فرانسيس يوم الأحد "في الفترة التي قضيتها بينكم، سمعت أصوات حزن وخسارة، ولكني سمعت أيضا أصوات أمل وعزاء".

"سيبقى العراق دوما معي وفي قلبي".

هل أعجبك هذا المقال؟

0 تعليق
سياسة ديارنا بشأن التعليقات * معلومات ضرورية 1500 / 1500