تحليل

إيران تستمر بتشكيل خطر على المنطقة بعد عام على مقتل سليماني

فارس العمران

image

عناصر من الحرس الثوري الإيراني يستخدمون قوارب الهجوم السريعة لمحاصرة نموذج عن ناقلة طائرات أميركية في الخليج العربي خلال محاكاة حربية جرت مؤخرا تستحضر استهداف القوات البحرية الأميركية وناقلات النفط التجارية. [الحرس الثوري الإيراني]

تواصل طهران توجيه سلسلة من التهديدات ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، بعد سنة على خسارة النظام أحد أكثر قادته العسكريين نفوذا.

وفور استهداف الغارة الأميركية لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني في بغداد يوم 3 كانون الثاني/يناير الماضي، دعا الزعماء الإيرانيون إلى الرد بانتقام دام.

وحذر المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي والرئيس حسن روحاني من "انتقام قاس".

أما المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يعد الهيئة الأمنية الأهم في طهران، فذكر أن الولايات المتحدة "ستتعرض لانتقام قاس... في المكان والزمان المناسبين".

image

عناصر من الحرس الثوري الإيراني يطلقون صواريخ باتجاه الخليج العربي وذلك في إطار محاكاة حربية جرت مؤخرا، تستحضر استهداف القوات البحرية الأميركية وناقلات النفط التجارية. [الحرس الثوري الإيراني]

image

متخصصون يعملون على صواريخ طويلة المدى في منشأة تحت الأرض يديرها الحرس الثوري الإيراني. [الحرس الثوري الإيراني]

أما القائد السابق للحرس الثوري والذي يشغل اليوم منصب أمين سر مجلس تشخيص مصلحة النظام، محسن رضائي، فغرّد على تويتر قائلا إن طهران "ستخضع أميركا لانتقام رهيب".

بدوره، أكد السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة ماجد تخت رافانشي، أنه "دون أدنى شك سيكون هناك انتقام، وانتقام قاس".

وذهب القائد العام للجيش الإيراني اللواء عبد الرحيم موسوي إلى حد القول إن الولايات المتحدة لا تملك "الشجاعة" لبدء مواجهة عسكرية.

وبعد كل هذا الخطاب الدراماتيكي، جاء "الرد الحاسم" من النظام كما وصفه روحاني بتاريخ 8 كانون الثاني/يناير، عندما أطلق 22 صاروخا على قاعدتين في العراق كانتا تستضيفان قوات أميركية وأخرى أجنبية.

وتسببت الصواريخ بأضرار مادية محدودة.

وفي اليوم نفسه، وبعد ساعات فقط من إطلاق النظام الإيراني هجماته الصاروخية في العراق، أسقط الجيش الإيراني رحلة للخطوط الجوية الدولية الأوكرانية رقم 752، في خطوة أقر روحاني بعد أيام بأنها "خطأ كارثي".

نشر الفوضى في المنطقة

وفي هذا السياق، ذكر رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية المقيم في فرنسا، غازي فيصل حسين، أن اغتيال سليماني "استُغل من قبل إيران وميليشياتها كواحدة من الذرائع لتبرير عملياتها التي تستهدف المصالح الأميركية والغربية".

وعلى الرغم من أن الجيش الإيراني، بما في ذلك الحرس الثوري، يعجز عن مواجهة الولايات المتحدة بصورة مباشرة، واصلت إيران "أنشطتها المثيرة الفوضى" في المنطقة، حسبما تابع.

وذكر أن هذه الأنشطة تشمل "الإيعاز لوكلائها بالعراق بشن هجمات صاروخية على البعثات الدبلوماسية والعسكرية الدولية ودعم جماعاتها المسلحة... كحزب الله اللبناني والحوثيين [أنصار الله] لإثارة المشاكل في لبنان وسوريا واليمن وباقي دول المنطقة".

وأشار إلى مضي طهران باستراتيجية التوسع عبر تحويل المنطقة إلى ساحة حرب، ما يهدد الأمن ويقوض فرص الاستقرار والسلام والتنمية.

لكنه أكد في الوقت عينه أن التهديدات والمشاكل التي تثيرها إيران "كانت لتكون ربما أسوأ أو أكثر خطرا مما هي عليه الآن لو لم يقتل سليماني".

تهديدات متواصلة

وتم تعيين العميد إسماعيل قاآني قائدا لفيلق القدس التابع للحرس الثوري بعد مقتل سليماني.

وقد أمّن إلى حد كبير استمرارية الخطط التي وضعها سلفه كما كان متوقعا منه، إلا أنه يجد صعوبة في ملء الفراغ الذي تركه سليماني.

فسليماني كان يعتبر الرجل الأقوى في إيران بعد خامنئي.

وفي هذا الإطار، وصفه المحلل العسكري والاستراتيجي حاتم الفلاحي بإنه كان شخصية استثنائية إذ لم يكن يرفع تقاريره إلا إلى خامنئي.

وأضاف أنه كان يعتبر نافذا جدا نظرا لعلاقاته الوطيدة بالمرشد الأعلى وثقة الأخير به، واستفاد من هذا النفوذ لبناء شبكة واسعة من الوكلاء الموالين لطهران والذين يتبعون أوامره في المنطقة.

ومع أنه من غير المرجح أن يحقق قاآني ما حققه سليماني داخل البلاد أو خارجها، إلا أن إيران تستمر بتهديد المنطقة بمشروعها التوسعي.

من جهته، اعتبر المحلل السياسي أحمد شوقي أن إيران "غير عازمة" على تغيير سلوكها ووقف أنشطتها الإرهابية.

وقال إن "الحرس الثوري يواصل دعم الميليشيات للقيام بهجمات استفزازية ويحرك أذرعه لخلق الاضطرابات خارج أراضيه في رسالة تحد للعالم وتأكيد على أن استراتيجيته لم تتأثر بغياب سليماني".

ثمن الهجمات سيكون باهظا

وذكر شوقي أن طهران حاولت منذ مقتل سليماني "امتصاص صدمة خسارة أحد أهم قادة مشروعها الإرهابي بتحفيز جماعاتها على الاستنفار وتكثيف عملياتها".

ولفت إلى أن الطلعات الجوية الأميركية الأخيرة فوق منطقة مياه الخليج ونشر المزيد من العتاد، يأتي في إطار التحسب لأي فعل هجومي محتمل من إيران أو الميليشيات التابعة لها، والتي عادت لإطلاق التهديدات بعد اغتيال كبير علماء الذرة الإيرانيين محسن فخري زاده بالقرب من طهران في 27 تشرين الثاني/نوفمبر.

وكان فخري زاده عنصرا سابقا في الحرس الثوري ونائب وزير الدفاع، كما شغل منصب رئيس هيئة الابتكار والبحث الدفاعي وكان من مؤسسي المشروع النووي الإيراني.

ولم تتبن أي جماعة أو حكومة عملية الاغتيال، إلا أن طهران اتهمت أعداءها المعتادين، أي إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وهي منظمة سياسية متشددة تنادي بالانقلاب على قيادة الجمهورية الإسلامية وتشكيل حكومة جديدة.

وقبيل الذكرى السنوية الأولى لمقتل سليماني، كثفت الميليشيات المدعومة من إيران هجماتها على مصالح الولايات المتحدة في العراق والمنطقة، ومن بينها هجمات صاروخية على السفارة الأميركية في بغداد بتاريخ 20 كانون الأول/ديسمبر.

وقالت مصادر عسكرية إن أي سوء تقدير أو استفزازات إضافية تقوم بها إيران ستكون لها تداعيات وخيمة، وذلك بعد أن حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه "سيحمّل إيران مسؤولية" أي هجوم عنيف على المواطنين الأميركيين في العراق.

وأكد شوقي أنه في حال "أقدم [الإيرانيون] على شن أي هجوم، فسيكون الرد قاسيا وحازما وسيدفعون ثمنا باهظا... لما يقومون به من نشاطات تؤدي لتأزيم الأوضاع في المنطقة وإدخالها في دوامة العنف والنزاعات".

من جانبه، أشار الخبير الاستراتيجي والعسكري العراقي علاء النشوع إلى أن الحرس الثوري وميليشياته الإقليمية تمثل خطرا كبيرا على المنطقة، سواء بوجود سليماني أو غيابه.

وأوضح: "صحيح أن هذا الرجل قدم خدمات كبيرة لنظام ولاية الفقيه وهو مسؤول عن أزمات كثيرة ما يزال العراق ودول المنطقة يرزحون تحت عبئها، وصحيح أنه يعتبر جزءا محوريا في هندسة السياسة العدائية لإيران، لكنه تم تضخيم قدرات سليماني ودوره [بغرض التهويل]".

وأضاف أن المشهد بعد عام على رحيل سليماني "لا يبدو أنه قد تغير كثيرا، فالإيرانيون وحلفاؤهم يخلقون المشكلات والتوتر ليس في المنطقة وحسب بل أيضا في أنحاء متفرقة من العالم".

هل أعجبك هذا المقال؟

0 تعليق
سياسة ديارنا بشأن التعليقات * معلومات ضرورية 1500 / 1500