حقوق الإنسان |

2017-10-25

مقابر داعش الجماعيّة: إرث إجراميّ طال المجتمع برمّته

Di icons tw 35 Di icons fb 35

فرق التحقيق الجنائي العراقيّة تستخرج رفات ضحايا معسكر سبايكر الذين قُتلوا على يد تنظيم 'الدولة الإسلامية'، ودُفنوا في مقابر جماعيّة في المنطقة عام 2014. [الصورة من صفحة معسكر سبايكر على موقع الفيسبوك]
فرق التحقيق الجنائي العراقيّة تستخرج رفات ضحايا معسكر سبايكر الذين قُتلوا على يد تنظيم 'الدولة الإسلامية'، ودُفنوا في مقابر جماعيّة في المنطقة عام 2014. [الصورة من صفحة معسكر سبايكر على موقع الفيسبوك]

منذ أيام مضت، استلم محمد العبودي رفات ابنه كمال التي انتشلت قبل عدة أشهر من مقبرةٍ جماعيٍّة في محافظة صلاح الدين.

وكانت جثته مفقودة منذ سنوات عدّة.

وقال والده لديارنا، إن ابنه كمال كان عام 2014 يخضع لدورة تدريبيّة في معسكر سبايكر في محافظة صلاح الدين، حين سقطت المحافظة بيد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).


انتشال مئات الجثث من مقابر جماعيّة في معسكر سبايكر. [الصورة من صفحة معسكر سبايكر على موقع الفيسبوك]

انتشال مئات الجثث من مقابر جماعيّة في معسكر سبايكر. [الصورة من صفحة معسكر سبايكر على موقع الفيسبوك]

وأضاف العبودي: "كنّا نعلم أنه قُتل على يد الإرهابيين لأننا شاهدناه في إحدى اللقطات المصوّرة التي بثها التنظيم. فقد كان ضمن مجموعةٍ من الجنود وهم يساقون إلى الإعدام ، لكنّنا لم نر تحديداً لحظة إعدامه".

وما أن تحرّرت تكريت، بدأ الحديث عن اكتشاف مقابر جماعيّة.

وتابع العبودي: "بات همنا الوحيد العثور على جثة ابننا"، مشيراً إلى أنه زوّد الطب العدلي في بغداد بعيّنة من الحمض النووي لتُقارن بمئات الجثث التي عُثر عليها في الموقع.

وتمّ التعرّف على جثة كمال، وأعيدت رفاته إلى عائلته قبل بضعة أيامٍ فقط.

وأوضح العبودي: "لم تكن جثةٌ بالمعنى السائد، بل مجموعةٌ عظامٍ لا ملامح لها"، حامداً ربه رغم ذلك لأنه أصبح لابنه قبراً معلوماً.

وقال: "أحمد الله أنه أصبح لكمال قبراً نزوره في كل عيد".

عمليات قتلٍ عشوائية

وتنتمي عائلة العبودي إلى الطائفة الشيعيّة، لكنّ عائلات مئات من ضحايا داعش من مختلف الطوائف وُجدت جثث أبنائهم في مقابر جماعيّة، يتشاركون المصيبة نفسها.

أبو نزار وهو مواطن من الطائفة السنيّة هرب من الحويجة بعد أن سيطرت عليها داعش عام 2014.

وكشف لديارنا أنه كان بين أوائل العائدين إلى الحويجة بعد تحريرها ليبحث عن اقرباءٍ له قتلهم التنظيم، متوقعاً أن يكونوا قد دُفنوا في مقبرة جماعيّة.

وقال إنه يحمل صورةً لعملية اعدام اثنين من أبناء عمه كان تنظيم داعش قد بثها عبر الانترنت، وصورةً اخرى تظهر جثتيهما وهما معلقتان عند أحد مداخل المدينة.

وأضاف أبو نزار أن ابني عمه أعدما "لا لشيء سوى لأنهما كانا يساعدان بعض الناس على الهرب من الحويجة".

وأوضح: "لقد اتهموهما بالتخابر مع الأجهزة الأمنيّة العراقيّة وحكموا عليهما بالإعدام"، لافتاً إلى أنه جاء اليوم ليبحث عن جثتيهما في المقابر الجماعية التي بدأت تظهر في الحويجة بعد تحريرها .

وأعرب أبو نزار عن قلقه لأن البحث لم يكن سهلاً كما كان متوقعاً، إذ أن الجثث داخل المقابر الجماعيّة تحلّلت بمرور الوقت.

ودعا الحكومة إلى نبش المقابر وتحديد هويّات الضحايا بسرعة قبل أن يعمد الناس إلى نبشها بأنفسهم، ما قد يعقّد عمليّة التعرّف على الجثث.

من جهته، قال عضو مفوضيّة حقوق الإنسان العراقيّة فاضل الغراوي، إن جميع مكوّنات المجتمع العراقي تأذّت على يد داعش ولم تستثن مقابرها الجماعيّة أياً منها.

وأضاف لديارنا: "تجد مقابر جماعيّة في معسكر سبايكر وطوز خرماتو والبشير في محافظتي صلاح الدين وكركوك، وجميع ضحاياها من المواطنين الشيعة".

لكنّ التنظيم استهدف أيضاً معارضيه من السنّة ووُجدت جثثهم في مقابر جماعيّة في مدن العلم والفلوجة وديالى، فيما اكتشفت مقابرٌ في سنجار تضمّ رفات مواطنين من الطائفة الآيزيدية.

وأكّد الغراوي أن "كلّ أطياف الشعب العراقي كانت على لائحة استهداف داعش".

وذكر أنه حتى الساعة، لا نستطيع تحديد العدد الفعليّ لضحايا داعش الذين دُفنوا في مقابر جماعيّة، "بسبب صعوبة الوصول إلى الكثير منها لدواعي أمنيّة. إلا أن مؤشرات خطيرة تدلّ على وجود الآلاف من الضحايا".

روايات شهود عيان

وبين كلّ تلك المقابر الجماعيّة، تبقى مقبرة الخفسة المقبرة الأبشع التي عُثر عليها، وتشير تقديراتٌ غير رسميّة أنها تضم رفات 25 ألف ضحيّةً.

وفي تقرير صدر عن منظمة هيومن رايتس ووتش في 22 آذار/مارس الماضي، تمّ توثيق رواياتٍ لشهود وصفت تفاصيل مروّعة عن الضحايا الذين قُتلوا وألقوا في المجرى الطبيعي الذي يقع على بعد ثمانية كيلومترات جنوب غربي الموصل.

وقال هؤلاء، إنهم شاهدوا عمليات إعدامٍ جماعيّة ٍفي الحفرة، تتمّ أحياناً كلّ أسبوع، بدءا من حزيران/يونيو 2014 وحتى حزيران/يونيو 2015 .

وأضافوا أنهم سمعوا مقاتلي داعش يتحدثون عن عمليات إعدام أخرى طالت رجال الشرطة السابقين، وأعضاء سابقين في قوات الأمن العراقية وفي قوات الصحوة.

"وقد يكون بين الضحايا أيضاً بعض المعتقلين في سجن بادوش الذي يبعد 10 كيلومترات إلى غرب الموصل، وكانت داعش قد سيطرت عليه في 10 حزيران/يونيو 2014"، حسبما ذكر التقرير.

وذكر خمسة من الشهود أنهم شاهدوا في 10 حزيران/يونيو 2014 مقاتلي داعش يجلبون إلى الحفرة أربع شاحنات كبيرة تنقل أشخاصاً معصوبي الأعين ومقيدين، ثم وضعوهم في صف على حافة الحفرة وأطلقوا النار عليهم لتسقط جثثهم فيها.

وروى أحد الشهود أنه تمّ في أيلول/سبتمبر 2014، إعدام ما لا يقلّ عن 13 امرأة في نفس الموقع، جيئ بهن وأوجههن وأجسادهن مغطاة بالكامل بعباءات ومعصوبات الأعين.

ونقل التقرير عن الشهود الخمسة الذين يقيمون بالقرب من الخفسة، أنهم سمعوا عن إعدام ما يتراوح بين ثلاثة إلى 25 ألف شخص في الموقع المذكور.

وغالباً ما كانوا يسمعون صراخاً وإطلاق نار، حتى أصبحت رائحة الجثث مطلع عام 2015 لا تطاق.

دليل على جرائم داعش

من جهته، أكّد المتحدث باسم مفوضيّة حقوق الانسان العراقيّة علي البياتي، أن مقبرة الخفسة هي "مقبرة ضمّت ضحايا ينتمون إلى جميع المكوّنات العراقيّة".

وأضاف لديارنا أن "هذا لا يعني أن المقابر الأخرى أقلّ أهمّية"، مشيراً إلى العثور على جثة أم وأطفالها في مقبرة اكتُشفت في منطقة البشير.

وقال إنه بالرغم من صغر حجمها، تعكس هذه المقبرة "بربريّة المجرمين الذين قتلوا امرأة وأطفالها دون أيّ سبب".

وطالب البياتي المجتمع الدولي بدعم السلطات العراقيّة الممثّلة بمؤسسة الشهداء العراقيّة، وتزويدها بالخبرات اللازمة لانتشال الجثث من المقابر الجماعيّة المنتشرة في جميع أرجاء البلاد وتحديد هوياتها.

وأوضح أن العراق يعاني حالياً من أزمةٍ اقتصاديةٍ خانقةٍ، وهو غير قادر على تأمين المتطلبات الماليّة لجهود فتح المقابر، كما أن "أعداد المقابر كبيرٌ جداً والضحايا بالآلاف ولا يمكن لمؤسسةٍ عراقيّةٍ إنجاز هذه المهمّة بمفردها".

وكان قرار مجلس الأمن رقم 2379، تاريخ 21 أيلول/سبتمبر، قد طلب من الأمين العام للأمم المتحدة إنشاء فريق تحقيق مستقل لدعم الجهود المحليّة الرامية إلى مساءلة تنظيم داعش عن أعماله في العراق.

وستناط بهذا الفريق مهمة جمع الأدلة وحفظها وتخزينها والتي تثبت ارتكاب داعش في العراق لأعمالٍ قد ترقى إلى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

وسيعمل الفريق ضمن احترام كامل لسيادة العراق وسلطته القضائيّة على الجرائم المرتكبة على أراضيه، وسيضمّ قضاة تحقيق عراقيين وغيرهم من الخبراء الجنائيين الذين سيعملون جنباً إلى جنب مع خبراء دوليين.

وقال البياتي إن هذا القرار سيؤمّن للعراق آليةً لفتح المقابر الجماعيّة، كون هذه المواقع ستوفّر دليلاً قاطعاً على جرائم داعش.

هل أعجبك هذا المقال؟

1 Di icons no

0 تعليق

Captcha